الجولان العربي السوري… قضية قومية

 -بقلم طارق حديفة-

شكّل أهالي الجولان على مدى أكثر من خمسة عقود اسطورة صمود وتمسك بالهوية والارض، فكلما خطّط الصهاينة لإخضاع الجولان يكون مشايخ وشباب ونساء وأطفال الجولان في الخطوط الأمامية للتصدي والمقاومة. وما يحصل منذ عدة أيام من إعتصامات وإجتماعات وإضراب عام لرفض مشروع المراوح يشكل حلقة من سلسلة الصمود ورفض الخضوع، والجدير ذكره أن هذا المشروع المغلف بطابع توليد الكهرباء يخفي خلفه مخطط جديد لتهجير الأهالي وتهويد الأرض فهو يصادر حوالي ٤٢٠٠ دونم من الأراضي كما أنه يسبب أضرار صحية جسيمة.. وهذا المشروع يأتي بعد اعلان الرئيس الاميركي ترامب ضم الجولان الى الاراضي الفلسطينية المحتلة وبعد فشل الاحتلال اجراء انتخابات المجالس المحلية قبل عامين. لذا بادئ ذي بدء لا بد من الاضاءة على الناحية الجغرافية للجولان فهو هضبة سورية يحدها نهر اليرموك من الجنوب وجبل الشيخ من الشمال، تابعة إدارياً لمحافظة القنيطرة . في حرب ١٩٦٧ احتل الجيش الإسرائيلي ثلثين من مساحتها. وثمة حقيقة تاريخية، ينبغي أن نؤكد عليها دائماً، قبل التعمق بملف الجولان المحتل، ألا وهي أن القيادة السورية منذ حرب تشرين (١٩٧٣)، وفي ظل قيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد، والرئيس الحالي بشار الأسد، لو كان أراد الحصول على (الجولان) وفقاً للشروط “الإسرائيلية” ووفقاً لسابق التجربة الإسرائيلية في اتفاقيات السلام مع العرب والقائمة على “تسليم الأراضي المحتلة منزوعة السلاح والسيادة” فإنه لو أراد ذلك لحصل على الجولان منذ فترة طويلة، ولكنه أراد أن يحصل على أرضه وحقوقه دون تنازلات أو قيود أو تطبيع مهين لكرامة شعبه ومصالح أمته، تلك الحقيقة ينبغي أن تظل واضحة ومعلنة، حتى لا يتطاول الصغار، وسماسرة الأوطان من سياسيين ومثقفين ينتسبون زوراً إلى هذه الأمة، إن هذه الحقيقة التاريخية، تؤكدها يومياً وقائع الصراع وأحداثه وتطوراته الدامية

فهضبة الجولان تمثل للكيان الصهيوني أهمية استراتيجية بالغة، من الصعب عليه الاستغناء عنها إلا بالقوة، ولعل في الإشارة لبعض الرؤى التاريخية لدى قادة الكيان الصهيوني حول الموقع الاستراتيجي للجولان بالنسبة للأمن القومي الصهيوني ولمشروع الدولة العبرية، ما يقدم كدليل على الحاجة والضرورة الإسرائيلية الاستراتيجية لهضبة الجولان، وهو ما يجعل عودتها من غير ضغوط إقليمية ودولية، ومن غير مقاومة فعلية أمر مستبعد .على أية حال دعونا نفتح ملف الجولان المحتل: تاريخه – واقعه – حقوقه المسلوبة – وآفاق عودته عبر المحاور التالية

* إن التاريخ يحدثنا أنه عام ١٩٦٧ احتلت إسرائيل الجولان خلال هذه الحرب واحتلت من الجولان ما مساحته 1250 كم مربع، وفيها المنطقة منزوعة السلاح ومساحتها 100 كم مربع. ويدخل في هذه المساحة المحتلة أجزاء صغيرة من جبل الشيخ هي النهايات الجنوبية الغربية لسلسلة هذا الجبل المهم في التاريخ والاستراتيجية، وتدخل هذه الأجزاء ضمن إطار “الجولان المحتل” تجاوزاً للمفهوم الجغرافي

ويحدثنا التاريخ البعيد عن الأطماع الإسرائيلية في الجولان، فها هم ثلاثة من القادة المؤسسين للكيان الصهيوني يحددون الأهمية الاستراتيجية للجولان، الأول هو

ديفيد بن غوريون حين كتب سنة 1918 يقول أن الدولة الإسرائيلية تضم النقب برمته، ويهودا والسامرة، والجليل، وسنجق حوران، وسنجق الكرك (معان والعقبة)، وجزءاً من سنجق دمشق (أقضية القنيطرة ووادي عنجر وحاصبيا)

والثاني هي المنظمة الصهيونية العالمية التي قالت في مذكرتها المؤرخة في 3/2/1919 التي قدمتها إلى مؤتمر الصلح في باريس، أن هذه الدولة يجب أن تضم جبل الشيخ. وعللت ذلك بحاجة الدولة المنشودة إلى مصادر المياه من هذا الجبل الذي يلتصق بالجولان

أما ثالث القادة فكان حاييم وايزمان الزعيم الصهيوني المعروف، الذي قال في رسالته إلى رئيس وزراء بريطانيا لويد جورج، عشية انعقاد مؤتمر سان ريمو: “وضعت المنظمة الصهيونية، منذ البدء، الحد الأدنى من المطالب الأساسية لتحقيق الوطن القومي اليهودي. ولا داعي للقول إن الصهيونيين لن يقبلوا تحت أي ظروف خط سايكس- بيكو، حتى كأساس للتفاوض، لأن هذا الخط لا يقسم فلسطين التاريخية ويقطع منها منابع المياه التي تزود الأردن والليطاني فحسب، بل يفعل أكثر من ذلك، إنه يحرم الوطن القومي بعض أجود حقول الاستيطان في الجولان وحوران التي يعتمد عليها المشروع بأسره إلى حد كبير”

هذه الرؤى الصهيونية الثلاث، وجدت ترجمتها في الاحتلال الغادر للجولان منذ العام ١٩٦٧، وتلك المشاريع وقراراتها وجدت الأداة العدوانية لتنفيذها ووجدت الغطاء الأمريكي والسياسي لها، وخلال فترة الاحتلال وبخاصة بعد حرب ١٩٧٣، قامت إسرائيل بتنفيذ مختلف التدابير والخطط الهادفة إلى تدمير مراكز العمران العربية، من دور عبادة ومدارس ومؤسسات، وأزالت من الوجود مجموعة كبيرة من القرى العربية.وتبقى مدينة القنيطرة من أكبر الشواهد على بربرية الإسرائيليين وهمجيتهم. فقد أزال الجيش الإسرائيلي المدينة من الوجود وجعلها كتلة من الخراب

هذا وكانت حكومة ميناحيم بيغين قد مهدت لضم الجولان و تهويده بسلسلة من التدابير والقرارت كان أبرزها

١ حزيران/ يونيو ١٩٧٩: توقيع ٧٣ عضواً في الكنيست يمثلون جميع الأحزاب الإسرائيلية على عريضة تقول: “إن الجولان جزء لا يتجزأ من إسرائيل”

  ٢ تموز/ يوليو ١٩٨٠ : تعديل قانون الجنسية الإسرائيلية بحيث أصبح من حق وزير الداخلية “منح الجنسيةالإسرائيلية لسكان من المناطق المحتلة في عام ١٩٦٧”، وهكذا أخذت سلطات الاحتلال في الجولان تفرض الجنسية الإسرائيلية على المواطنين السوريين، وتوزع عليهم الهويات الإسرائيلية

  ٣ تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٨٠ وآذار/ مارس ١٩٨١: تقدم بعض أعضاء الكنيست بمشاريع قوانين لضم الجولان

أما عن مضمون قانون ضم الجولان والذي قدمته الحكومة الإسرائيلية إلى الكنيست يوم ١٤ كانون الأول/ ديسمبر ١٩٨١ فقد جاء في مادته الأولى “يسري قانون الدولة وقضاؤها وإدارتها على منطقة مرتفعات الجولان”. وقد حاز المشروع، بعد مناقشة قصيرة وسريعة في الكنيست، على تأييد ٦٣ عضواً ومعارضة ٢١

وقد قدم بيغن المشروع بخطاب قال فيه: “لن نجد في بلدنا أو خارجه رجلاً جاداً درس تاريخ أرض إسرائيل فيوسعه أن يحاول إنكار أن هضبة الجولان كانت على مر أجيال كثيرة جزءاً لا يتجزأ من أرض إسرائيل. لقد كان من الواجب إذن أن يمر خط الحدود الشمالية لأرض إسرائيل التي دعيت باللغة الأجنبية باسم فلسطين، في تصريح بلفور وفي الانتداب الدولي، بهضبة الجولان”

* هذا القانون وغيره، تلته سلسلة من الإجراءات الصهيونية الخطيرة وسعت من الاستيطان في الجولان والأخطر قيام إسرائيل بدفن نفايات نووية في الهضبة ـ الأمر الذي مثل خطراً صحياً واقتصادياً كبيراً على من تبقى من أهل الجولان الشرفاء المقاومين الذين لم يغادروها ووفق شهادة المركز العربي لحقوق الانسان في الجولان أمام اللجنة الخاصة المعنية بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية التي تمس حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني وغيره من السكان العرب في الأراضي المحتلة قبل سنوات وجاء فيها العديد من الحقائق المهمة منها أن: عدد سكان الجولان المحتل قد بلغ قبل العدوان الإسرائيلي عام ١٩٦٧ طبقاً للمصادر الرسمية السورية حوالي ١٣٨٠٠٠ شخص، موزعين على ٣١٢ مركزا سكانيا من بلدات وقرى ومدينتين هما القنيطرة وفيق على مساحة تقدر بحوالي ١٢٥٠ كم٢ . أجبرت قوات الاحتلال حوالي ١٣١ ألف نسمة على النزوح إلى داخل سورية بعد تدمير قراهم ومدنهم ومنعهم من العودة، ويقدر عددهم اليوم حوالي ٥٠٠٠٠٠ نازح وبقي في الجولان المحتل حوالي ٧ آلاف نسمة في ذلك الحين، موزعين على ست قرى تقع في أقصى شمال الجولان وهي مجدل شمس، بقعاثا, مسعدة، ، عين قنيا، الغجر، سحيتا وقد تم ترحيل سكان الأخيرة إلى قرية مسعدة المجاورة وتهديمها بالكامل خلال الأعوام ١٩٧١–١٩٧٢. عدد السكان المتبقين اليوم في الأرض المحتلة يبلغ حوالي ٢٠٠٠٠ نسمة. وخلال حرب تشرين ١٩٧٣  تم تحرير القنيطرة، مركز المحافظة، وبعض القرى وبقي ما لا يقل عن ٨٠٪ من الجولان تحت الاحتلال

والجدير ذكره أن سلطات الإحتلال شرعت بتشييد المستوطنات في الجولان منذ الأسابيع الأولى للاحتلال، وتم تخصيص الأرض ومصادر المياه لأغراض الاستيطان، باستخدام القوة، وبفعل الأوامر العسكرية. ويتواصل الضغط على السكان الأصليين المتبقين وضرب اقتصادهم الزراعي والخدماتي (كالسياحة) لضمان تفوق اقتصاد المستوطنين اليهود في الجوار. هذا ويبلغ عدد المستوطنات الصهيونية في الجولان ٣٤ مستوطنة حتى يومنا هذا

أما من الناحية الاقتصادية فالمستوطنات الإسرائيلية في الجولان تنتج على سبيل المثال لا الحصر لحوم الأبقار التي تغطي ٤٠٪ من احتياجات السوق الإسرائيلية, والتفاح الذي يغطي ٣٠٪ والكرز الذي يغطي ٥٠٪ والمياه المعدنية المعبئة  التي تغطي ٥٠٪ ومن المهم التنويه بأن ٢٠٪ من هذا الإنتاج يصدر إلى ٢٥ دولة منها الولايات المتحدة الاميركية وكندا واستراليا و قارات أوروبا وأفريقيا وشرق آسيا

وفي مواجهة هذا الواقع الاحتلالي الاستيطاني قاد أهالي الجولان حركة مقاومة شعبية وصمود ، فشهدت ساحات الجولان العربي السوري منذ الاحتلال، وخاصةً بعد «قرار الضم» الذي فتح «معركة الهوية العربية السورية» ضد الاحتلال المزيد من عمليات الاعتقال التعسفي التي طالت المئات من أبناء الجولان، حيث لا يزال «أسرى الجولان» في السجون الصهيونية يُعانون من أفظع أنواع التعسف والظلم من قِبل المحاكم الاسرائيلية، التي فرضت عليهم أحكاماً تعسفية لمدة طويلة، بالإضافة الى انعدام أبسط السلوك الانساني في التعامل مع هؤلاء الأسرى، ومع ذويهم الذين تضع سلطات الاحتلال كل التعقيدات في طريقهم للحيلولة دون رؤية أبنائهم، المنتشرين في السجون الصهيونية التي لم تخلُ منذ عام ١٩٦٧ من أبناء الجولان من مختلف الأعمار. وفي هذا الاطار قدم أهالي الجولان عشرات الشهداء الأسرى فى سجون الاحتلال

وبعد.. إن هذه الحقائق عن (الجولان المحتل) وعن مقاومة أهله، وأسراه، وعن صمود وثبات الدولة التي ينتمي إليها، وعدم تفريطها في سيادة واستقلال الجولان كأرض محتلة، إن هذه الحقائق تدفعنا إلى الانتهاء إلى نتيجة مهمة لمستقبل الجولان، نتيجة تقول أن عودتها إلى حضن الوطن الأم (سوريا) حتمية تاريخية مهما طال هذا الاحتلال ومهما مارس من عدوان على أرضها وسيادتها عبر الاستيطان و(دفن النفايات وأسر المجاهدين) وقرارات ضم وخطط مشاريع مراوح،  إلا أن هذه (العــودة) لابد وأن يسبقها فعل واستراتيجية مقاومة بمعناها الشامل (سياسي ـ ثقافي ـ إعلامي ـ قانوني ـ عسكري) وهي استراتيجية لابد وأن تكون قومية، وأن تكون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقضية المركزية القضية الفلسطينية، لإجبار هذا الكيان الصهيوني على الرحيل عن أرض لم تكن ـ ولن تكون ـ له بإذن الله

ختاماً فإني أعود وإياكم إلى التحركات المستمرة لأهلنا في الجولان بكافة فئاتهم العمرية لرفض مشروع المراوح، للتأكيد بأن شعباً هكذا إرادة لن يهزم وسينتصر مهما طال الزمن… فبهذه الروحية والعزيمة وبعد توالي انتصارات الجيش العربي السوري في مختلف المحافظات على العصابات الارهابية المسلحة هل بات يوم حرية الجولان قريب؟؟؟

 

طارق حديفة – مدير المكتب الاعلامي لمشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز في لبنان*